ابن عطية الأندلسي

208

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

بفتح الخاء على جهة الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم ، وذلك معطوف على قوله وَإِذْ جَعَلْنَا ، كأنه قال : وإذ اتخذوا ، وقيل هو معطوف على جعلنا دون تقدير إذ ، فهي جملة واحدة ، وعلى تقدير إذ فهي جملتان . واختلف في مَقامِ إِبْراهِيمَ ، فقال ابن عباس وقتادة وغيرهما ، وخرجه البخاري : إنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت وغرقت قدماه فيه . وقال الربيع بن أنس : هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه وهو راكب ، جاءته به من شق ثم من شق فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه ، وقال فريق من العلماء : المقام المسجد الحرام ، وقال عطاء بن أبي رباح : المقام عرفة والمزدلفة والجمار ، وقال ابن عباس : مقامه مواقف الحج كلها ، وقال مجاهد : مقامه الحرم كله . و مُصَلًّى موضع صلاة ، هذا على قول من قال : المقام الحجر ، ومن قال بغيره قال مُصَلًّى مدعى ، على أصل الصلاة . وقوله تعالى : وَعَهِدْنا العهد في اللغة على أقسام ، هذا منها الوصية بمعنى الأمر ، و أَنْ في موضع نصب على تقدير بأن وحذف الخافض ، قال سيبويه : إنها بمعنى أي مفسرة ، فلا موضع لها من الإعراب ، و طَهِّرا قيل معناه ابنياه وأسساه على طهارة ونية طهارة ، فيجيء مثل قوله : أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [ التوبة : 108 ] وقال مجاهد : هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان ، وقيل : من الفرث والدم . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لا تعضده الأخبار ، وقيل : من الشرك ، وأضاف اللّه البيت إلى نفسه تشريفا للبيت ، وهي إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك ، و لِلطَّائِفِينَ * ظاهره أهل الطواف ، وقاله عطاء وغيره ، وقال ابن جبير : معناه للغرباء الطارئين على مكة ، و الْعاكِفِينَ قال ابن جبير : هم أهل البلد المقيمون ، وقال عطاء : هم المجاورون بمكة ، وقال ابن عباس : المصلون ، وقال غيره : المعتكفون . قال القاضي أبو محمد : والعكوف في اللغة اللزوم للشيء والإقامة عليه ، كما قال الشاعر [ العجاج ] : [ الرجز ] عكف النبيط يلعبون الفنزجا فمعناه لملازمي البيت إرادة وجه اللّه العظيم ، و الرُّكَّعِ السُّجُودِ * المصلون ، وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى اللّه تعالى ، وكل مقيم عند بيت اللّه إرادة ذات اللّه فلا يخلو من إحدى هذه الرتب الثلاث ، إما أن يكون في صلاة أو في طواف فإن كان في شغل من دنياه فحال العكوف على مجاورة البيت لا يفارقه . وقوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ الآية ، دعا إبراهيم عليه السلام لذريته وغيرهم بمكة بالأمن ورغد